الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
301
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إلى الهدف . في حين أن نتيجة هذا الاستسلام هي إجهاض كل الجهود والمساعي ، وإحباط كل جهاد وكفاح . إن تأريخ الإسلام يبين أن الكافرين والمنافقين سعوا مرارا إلى جر النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى هذا الموضع ، فاقترحوا مرة أن لا يذكر الأصنام بسوء ولا ينتقدها وينتقصها ، وقالوا مرة أخرى : أئذن لنا أن نعبد ربك سنة ، وأعبد آلهتنا سنة ، وكانوا يقولون أحيانا : امهلنا سنة نقيم فيها على ديننا ثم نؤمن بك . واقترحوا عليه مرة أن أبعد عنك فقراء المؤمنين ومساكينهم لنضم صوتنا - نحن الأثرياء ذوي المكانة - إليك . وكانوا يعلنون أحيانا استعدادهم لبذل الامتيازات المالية والمركز والمنصب الحساس ، والنساء الجميلات وأمثال ذلك . من المسلم أن كل هذه كانت شراك خطيرة في طريق انتشار الإسلام السريع ، واقتلاع جذور الكفر والنفاق ، ولو كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أظهر الليونة والميل إلى المساومة أمام واحد من هذه الاقتراحات فإن دعائم الثورة الإسلامية كانت ستنهار ، ولم تكن الجهود لتصل إلى نتيجة مطلقا . ثم تقول في الأمر الرابع والخامس : ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا . إن هذا الجزء من الآية يوحي بأنهم قد وضعوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) تحت ضغط شديد لحمله على الاستسلام ، واستخدموا ضده وضد أصحابه كل أنواع الأذى ، سواء كان عن طريق جرح اللسان والكلام الفاحش والإهانة ، أم عن طريق الأذى الجسمي ، أو عن طريق الحصار الاقتصادي . وكان لهذا الأذى صورة وأسلوبا في مكة ، وأسلوبا آخر في المدينة ، لأن " الأذى " جاء مطلقا في الآية ويشمل كل أنواع الأذى . ويرى " الراغب " في المفردات أن " الأذى " هو كل ضرر يصيب الكائن الحي ، سواء في روحه ، أو جسمه ، أو يصيب من يرتبط به ، سواء في الدنيا أم الآخرة .